بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

السبت، 12 مارس، 2011

دعوة للجمال

دعوة للجمال
"الجمال سينقذ البشرية"
                              ديستوفسكي
مهند الشهرباني

في الاستهلال شيء من المبالغة ولكننا إذا تمعنا في المعنى فان الجمال بمفهومه الفلسفي يمكن ان يكون (او هو كائن أصلا)سيداً على كل ما عداه من قيم المنطق..لأنه يجمع بين الخير والحب ويحتوي في معناه الأكبر على ما أجمعت عليه كل الأديان السماوية والدساتير الأرضية.
يقول دستوفسكي ايضا على لسان احد ابطاله "ان شكسبير ورافائيل أجلُّ شأنا من تحرير الفلاحين،وارفع قدراً من القومية،واعظم قيمة من الاشتراكية،واسمى منزلة من الجيل الجديد،وانهما فوق الانسانية جميعا لانهما ثمرة الانسانيه"وانا اقول بان أي كاتب او مثقف يدعو الى الجمال هو اكبر قدراً من عشرات السياسيين الذين يصمّون آذاننا بحروف الأبجدية مرتبة حسب مصالح شخصية وآيدلوجيات مفخخة .
حين قدّم هيجل كتابه (المدخل الى علم الجمال) أكّد على ان الجمال الفني اسمى من الجمال الطبيعي لانه نتاج الروح بينما الجمال الطبيعي محكوم بالضرورة الطبيعيه ويقول "مادام الروح أسمى من الطبيعة ، فإن سموه ينتقل بالضرورة إلى نتاجاته،وبالتالي إلى الفن. لذا كان الجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي لأنه نتاج للروح"
ونحن ندعوكم للجمال كلٌّ حسب ما يراه وما يعتنقه..ندعوكم للجمال ونحن واثقون بان قلب العراقي لا يحمل في طياته غير الخير والحب منذ خُلق..ندعوكم للحب والخير وهي دعوة مكررة ولكنها لا تُملّ.
جمالنا الحقيقي يمكن ابرازه في قصيدة او قصة او مقالة تدعو للخير والتسامح..يمكننا ان ندعو للجمال من خلال لوحة او صورة فوتغرافيه او كاريكاتير لأن مفهوم الجمال اكبر من ان يحدّ ولكننا سنحاول ان نستفيد منه لغاية نبيلة هي الأنبل بين الغايات ..خير بلادنا .
اكتبوا عن أحلامكم باقلامِ حبرها الخير والجمال والحب والتآخي
لأننا واثقون بان ثقافتنا هي اكبر سلاح بوجه كل من يريد شرا بهذا البلد فاننا نعيد اعلان دعوتنا للثقافة والكتابة
انها دعوة مفتوحة دون معايير مادية..دعوة مجانية للمساهمة في إنقاذ البشرية ..او لنكن اكثر تواضعا فنقول لإنقاذ عراقنا (وهل هناك اغلى منه)؟


الأحد، 6 مارس، 2011

الشمس كانت شاهدة

الشمس كانت شاهدة
مهند الشهرباني

عندما تلفتت الشمس ساعة ولادتها يميناً وشمالاً لم تجد سوى رأسين متقابلين في حديقة منزل ما ، كان رأس الرجل أو فمه بتعبير ادق يخرج دخاناً كثيفاً من غليون قديم ينسج مع الرأس المكلل بالشيب صورة ضبابية لرجل ادمن السهر وتدخين الغليون والتفكير ، اما رأس المرأة فقد كان يحمل تاريخ جمال قديم ولكنه يحمل اكثر صورة الشموخ البابلي كما نراه على جدران المعابد البابلية .
-         هل أوصيكِ ؟
قال الرجل
-         لماذا ..هل تحس بشيء ؟
أجابت المرأة بما يشبه الرجاء
-         لكل شيء نهاية وتاريخي مفعم بالتعب.
-         اذن هل سينتهي تعبك ؟
-         بل قولي سأُتعب نهايتي انا الذي تعودت القتال طوال عمري
-         اذن لا توصيني لكن اخبرني
-         عن ماذا ؟!
-         عن الاشباح ..الا زالت تطارد نومك ؟
-         لكل منا شبح وليس هذا المهم ..بل ان لا تكون الاشباح مصدر خوف.
كان حديثا مسموعاً والشمس تعرف هذين الرأسين فلطالما داعبت جسديهما في ديارهم البعيدة ولطالما كان الرجل يبدو كفارس ترجل تواً عن جواد غامر به على مشارف الموت .
عبث الرجل بمؤشر المذياع واداره نحو الشرق وعلى محطة بعيدة كانت الاغنية تيعث شجناً يوشح مدارك الزوجان ..( حرقت الروح لمّن فاركتهم      بكيت ومن دموعي غرقّتهم ) انحدرت دمعة تجاوبت اصدائها في قلب الزوجة فاجابت بمثلها .
من لي بتاريخ لا يغتصبه الآخرون .. من لي بأرض لا تمنح خيرها الا بالعدل .. ان المرض ينهش جسدي ولكن الحزن يفتك بعقلي ..ياه " حرقت الروح لمّن… " يخفت الصوت وتتلاشى جمرة الغليون ويستند الرأس الى ظهر المقعد ، الاغفاءة تبدو كغيبوبة وعيون الزوجة تبحث عن عرق ينبض في الرقبة التي امامها ، اعتدل في جلسته ..
-          هل تعلمين ان الموت في الغربة له طعم الذل .. انه ليس خروج الروح من الجسد بل هو الطريق الطويل الذي ستسلكه الروح حتى تصل الى ارض نحبها واناس نتمنى الموت بينهم ..لا بد ان الامر كذلك والا فلماذا احس ان الموت مذلاً في هذه الغربة .اريد ان اعود وليقتلوني هناك..لكن ماذا سيفعلون بكم ..ان الامر … تذكر شيئا فقال لها
-         هل نامت مريم ؟
-         لقد اشرقت الشمس وقد نامت مريم منذ وقت طويل.
-         اشتقت اليها .. هل كتب عليّ ان اشتاق لكل من احب وما احب ؟؟!
-         انها قريبة منك فما هي الا خطوات وتكون قربها .
-         ان بلدي في قلبي ولكني اشتاق اليه .
-         الن ترتاح قليلاً ؟
-         ان الراحة الكبرى آتية فلماذا الاستعجال .
اصبح صوت المذياع مرتفعا ربما لينبه الزوجان ..( احبابنا يا عين ما هم معانا.. عيني يا عيني …)
-      آه يا عيني .. هل تسمعين ؟ يقولون بان اهلي معي فلماذا الاحساس بالغربة ! الا يعلمون باني غريب دون دجلة والكاظمية والاعظمية وشارع الرشيد ..الا يعلمون بان " الشمس اجمل في بلادي من سواها والظلام حتى الظلام هناك اجمل فهو يحتضن العراق" ..آه عيني يا عيني انه قلبي الذي يغني ..قلبي الذي اتعبني ..هل تعلمين ؟ قد اموت بعد ساعات او ايام فليس هذا مهماً ولكني اريد ان اغتسل بماء من هناك واريد جذع نخلة ليسند لحدي فمن لي بهما ؟.
-      لقد اشبعتني حزناً فأرحمني .
-      ان الحزن مقدور عليه ولكن ما اقسى الوطن .
اصبح الامر الآن خارجاً عن قوانين الطبيعة وبعيداً عن جدلية الحياة والموت ، لقد صار شعوراً بالمرارة لا يحتمل ..اصبحت الحياة في هذه اللحظة اقصر طريق بين نقطتين هما التنفس والحزن ولا شيء سواهما والفارس الذي اتعب دولة صار مهزوما من اقرب الاشياء اليه ..قلبه والحزن الذي غلف عشرات السنين من حياته والجسد الذي احتضنه الكثير من سواعد الرجال صار كعود ثقاب كانوا يخشون احتراقه لانه سيحرق الدنيا وصار الامر الآن مرهوناً بارادة السماء .
اشعل غليونه بعد ان ملأه من جديد ..سحب انفاسا ثم سقط الغليون من يده ، انحنت الزوجة والتقطته من الارض وقدمته اليه ولكنه لم يمد يداً ليأخذه ..راحت عيناها تبحثان عن عرق ينبض في رقبته ولكنها لم تجده ..قربت رأسها وقبلت رأسه ولم تصرخ بل نظرت الى السماء ..ارادت ان ترى روحه وهي في رحلنها الطويلة تبحث عن ظل نخلة وعن ركن بين نهرين .

السبت، 26 فبراير، 2011

لماذا يضطرب القلب ؟

لماذا يضطرب القلب ويسكت؟
                                                                                                مهند الشهرباني
                                                                                                 
هنا صباح جميل
وصوت بلابل
وطفلي الصغير تناغيه امه
واخته في ثياب المدرسة
وأيضا صوت فيروز
( بكتب اسمك ياحبيبي …)
وانا اكتب
اما قلبي فكان يضطرب
غريب امر هذا القلب
لماذا الاضطراب ؟!
فهنا صباح جميل
وهنا بلابل
وهنا اطفال صغار
وهنا فيروز
 ( بم دم بم دم )
كان هناك صباح جميل
وكان هناك صوت بلابل
وكان طفلي الصغير
وكانت الملائكة تنصت لفيروز..
" وانا صغيرة كان في صبي اسمو شادي…"
وانا تحت الركام
والجميع مذهول عن الكتابة
اما قلبي فقد كان ساكنا
لماذا سكن قلبي؟!
فأن الصباح جميل
ولكن البلابل محترقة
وطفلي الصغير لم يعد يبكي
حتى انه سوف لن يضحك
لان امه لن تناغيه
ولكن هناك فيروز
وطفلتي التي في المدرسة
أضنها تردد " موطني ..موطني "

حلمي

حُلمي
مهند الشهرباني
    
حينما كان صغيراَ
حلمي
كنت أخفيه كثيراَ
بين طيات خوفي
وأدثره
حين كبر
لم أجد في دهاليز خشيتي
طيةَ واحدةَ تكفيه
فخيرت نفسي بين أن…
اقتلها
أو..
اقتله


انفجار

                                                              مهند الشهرباني
على مرمى حجر من كآبتي هز انفجار شديد المكان فبعثر أشلاء هدوئي واقتلع باب صومعتي وتراكض أبطال كتبي ذات اليمين وذات الشمال ..خرجت مسرعا ..كانت النار تركض إلى السماء والغبار والدخان يملآن مساحة الفراغ بيني وبين مكان الانفجار ،جريت مسرعا وكان الناس مثلي ..قابلتني سيارة تحترق وأخرى وأخرى ودست على زجاج مهشم.كان الناس يركضون ولكن الزمن توقف في ساعة يد أحدهم . اللوحة التي تعلن عن دائرة الكهرباء مرمية أيضا. يارب السماء هل هذا ثوب مدرسي ؟ نعم ..فرغم اختلاطه بالتراب والدم إلا إن هويته واضحة وهذا ثوب آخر وثالث ..هذه يد أحدهم وساق آخر وجذع ثالث ورابع و...و ...أما البناء فقد كان كتلة من حجارة وحديد .الصراخ يتعالى من الجميع ..الجرحى..المنقذون..رجال الشرطة ..الإسعاف ..الإطفاء ..كلها تصرخ ولكن الحضارة كانت صامتة .رفعت أحدهم وأوصلته إلى سيارة الإسعاف كانت السيارة ممتلئة حرت فيما افعل وهو يتوسل بي كي أنقذه فأنقذتني سيارة مدنية تلقفت مني الجسد المتهالك المغطى بالدماء .سمعت أنين طفلة ..تلفت حولي كان جسدها مهصورا بين الأحجار ..ناديت أحد الرجال لمساعدتي فهب ّاثنان رفعنا الحجارة ..كانت الساقان مهشمتان مسحت على رأسها فقالت أريد بابا قلت لها انه ينتظرها هناك ،جاء المسعفون بحمالة ورفعوا جسد الصغيرة ولكن أنينها اخترق جمجمتي فاغشى بصري ووقعت فجاءت يدي على جسد أو بقايا جسد ملتف بعباءة سوداء فصرخت الإنسانية " وا أنساناه " قمت متحاملا لا على جسدي ولكن على غضبي ولكن هل ينفع الغضب حين يكون العدو مجهولا ومستترا .أسرعت إلى آخرين يرفعون أحجار البناء لينقذوا المدفونين تحته كانت العملية محمومة ولم نشعر بثقل الأحجار لأني رأيت الآخرون يزحزحون أحجارا ضخمة بأيد عارية ، لمحنا أصابع تتحرك فأُسرعت العملية وجاء آخرون وتمكنا من إخراج الجسد ..كان يتنفس ..ها هو أحدهم يحارب الحاقدين بان يظل حيا تحت الأنقاض لينهض وتعالى صراخ من نوع آخر ..صراخ ينم عن الفجيعة بفقد الأقرباء أب..زوج ..أخ..أم..ولد..بنت.. الكل يبحث ..سمعت عبارة "الحمد لله " تنطلق من أحدهم وقد احتضن أخاه ...رباه الحمد لك على ماذا ؟! ربما الحمد لله الذي أنجانا مؤقتا أو الحمد لله الذي يطيل علينا النكبات أو الحمد لله الذي ابعد عنا شرا وأصاب آخرين .
كانت السماء تمطر دخانا أسود لوّن الوجوه والملابس كأنه حداد طبيعي منها .تعبت يدي من الحفر والنبش فنزلت من كومة الأحجار وأنا أحذر قطع الحديد الممتدة بينها ،لمحني جاري فجاء مسرعا يسألني إن كنت قد أصبت ..كانت ملابسي ممزقة وبقع الدم تنتشر عليها فأخبرته إنني لم اكن موجودا ساعة الانفجار فقال الحمد للـ....ولم يكد ينهي جملته حتى أحسست بان السماء قد انشقت عن دوي رهيب ونار تلفح وجهي وبجسدي خفيفا ومرميا على أجساد أخرى . كان موتي بطيئا لدرجة أنى علمت بان سيارة قد انفجرت لتكمل عمل السيارة الأولى وتحصد عددا اكبر من الرؤوس والأجساد وكان بطيئا لدرجة ان عيني كانت تقابل لوحة معدنية كبيرة من بقايا الانفجار الأول واستطعت أن اقرأ " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم "
                                                                             

                                                                                  

الاثنين، 21 فبراير، 2011

يوم مختلف

يوم مختلف
مهند الشهرباني
كل يوم تسألني أمي السؤال نفسه  (ماذا أطبخ لك اليوم؟ ). وفي كل يومٍ ومنذ عشر سنين أجيبها الجواب نفسه : ( أي شيء !)، وأخرج!.
                  *    *    *
جاري الذي عاد من الأسر مؤخراً يسلم عليّ يومياً، ويومياً أصحح له اسمي حتى توقفت عن المحاولة بعد أن عجزت!.
                  *    *    *
جارتنا البعيدة "أم حامد" تستوقفني دائماً للسؤال عن صحتي وبعدها تسألني: (هل والدتك موجودة في البيت؟). ودائما أخبرها بأن أمي لا تكاد تفارق البيت.!
                  *    *    *
حين أصل الى بيت أبي حازم فإنني يجب أن أرفع طرف سروالي قليلاً لأنهم يغسلون الممر كل يوم، وما أن أعبر بركتهم المتخلفة عن الغسيل حتى أتذكر أن ألتفت الى صابر البقال لأسلم عليه فيرد تحيتي التي تضيع مع دخان سيجارته !
                  *    *    *
سيارة الدائرة التي تقلني والتي استحال لونها الى مجرد لطخات مزرية، تعودت أن أنفض التراب عن مقعدي فيها ثم تعودت أن أترك المقعد لأتربته وأنفض ما علق بسروالي عند النزول !
                  *    *    *
أدلف الى دائرتي .. أسلم على جمعة الفراش ثم على رئيس القسم وأجلس خلف مكتبي فيأتيني الشاي، ودائماً أطلب كمية إضافية من السكر، ودائماً أشربه دون طعم فهذا أفضل من أن أشربه بارداً !
                  *    *    *
أدخن سيجارتي الثانية وأبدأ عملي الذي أستطيع أن أدبره مغمض العينين !
                  *    *    *

أعود الى البيت ظهراً ، المحلة فارغة ، أشعة الشمس تضرب الجدران بقوة لترتد الى جسدي الذي أنهكه الملل !
                  *    *    *
أتغدى ثم أتمدد على السرير ، أحدق في المروحة ، دورانها يصيبني بالغثيان. أغمض عيني لأنام !
                  *    *    *
                  *    *    *
اليوم بعد الإفطار قالت أمي أنها ستصنع لي قدراً من "الدولمة" التي لم أذق مثلها في حياتي !
                  *    *    *
حياني جاري الأسير تحية الصباح وبعد أن اجتزته ابتسمت لأنه لفظ اسمي صحيحاً !
                  *    *    *
استوقفتني جارتي أم حامد وبعد سؤالها عن صحتي أخبرتني مبتسمة بأنها وأمي ستذهبان لزيارة بعض الأصدقاء !
                  *    *    *
وصلت الى بيت أبي حازم ، وجدت انهم غسلوا الممر لكنهم دفعوا الماء الزائد الى المجرى فلم أضطر الى رفع سروالي حتى أني نسيت أن أسلم على صابر البقال ولكنه بادرني بالتحية وهو يقضم تفاحةً !
                  *    *    *
وأنا على الرصيف وقفت أمامي سيارة حكومية جديدة رأيت عبر زجاجها زملاء الدائرة .. أخبرني السائق بأنها السيارة  الجديدة التي خصصتها الوزارة لنا ، فلم أنفض التراب عن المقعد وبحركة لا إرادية نفضت سروالي عند النزول وابتسمت!
                  *    *    8
دلفت الى الدائرة وسلمت على جمعة الفراش ثم على رئيس القسم وجلست الى مكتبي وجاءني الفراش بالشاي .. لكنه كان حلواً !
                  *    *    *
أخرجت سيجارتي ولكني لم أشعلها. وقبل أن أبدأ العمل أخبرني رئيس القسم بأني قد نقلت الى قسم آخر ، ويمكنني الذهاب إذا أكملت بعض معاملات الأمس !
                  *    *    *
جاءني جمعة الفراش وأخبرني بأن هناك من يطلبني وحين خرجت من الغرفة وجدت "أماني" التي غادرت مدينتنا منذ خمس سنين، ولكنها لم تغادر قلبي. أخبرتني أنها قد عادت الى المدينة ، وأنها تبحث عن مكان للسكن مع أمها ولم تجد غيري لتسأله هذا الصنيع !
                  *    *    *
أخذت إجازة زمنية وجلسنا أنا وأماني في كافتيريا قريبة وبعد نصف ساعة كان الحب الذي بيننا يعود كأنه لم يرحل أصلاً !
                  *    *    *
عدت الى مكتبي وأسندت رأسي الى ذراعي وما لبثت أن غفوت .. ثم سمعت صوت أمي وهي تناديني لتسألني ( ماذا تريد على العشاء ؟) !!

في انتظار الرصاصة

في انتظار الرصاصة
مهند الشهرباني
أيتها القشة التي قصمت ظهر البعير.. لا فخر لك !. أيتها الضربة الواحدة بعد المائة.. ليس أنت من أجهز على أنين الصخرة!. يا عقل الفتى لم تجهز عليك الحبيبة التي خانت ولا الأخت التي هربت ولا الصديق الذي غدر.
طريقك المرسوم بين الجامع والمدرسة مروراً بمحكمة المدينة ساعدك على تغييب العقل. ونظرات الازدراء والرثاء أمكنك التعود عليها وصارت بالنسبة إليك كسيقان العابرات، تمنحك اللذة. والعقل المغيب يساعدك على سماع ما لا يُسمع ومشاهدة ما لا يُسمح برؤياه. وعبارات الاستصغار صارت تعينك على الدخول الى أماكن الخطر دون خوف. يا لهذا العقل ! يا لجواز المرور الساحر !
في أيام صباك كان طريق التيه الذي يسيّر خطواتك الآن طريقاً مزروعاً بالحب والرهبة والإيمان ، الحب للعلم والرهبة أمام سلطان العدل والإيمان بخالق العلم والعدل وليس كما هو الان، إنه طريق مستقيم .. مستقيم .. الويل لكل قشة تقصم ظهور الأباعر !.. الويل من ضربات المطرقة التي تجعل الصخرة مكتومة الصرخة ليس من خيانة الحبيبة وليس من فرار الأخت ولا من .. ولا من.
" يا أصحاب النيات الحسنة لا أبغي إحسانكم لو تعلمون ، إنها كلمة واحدة .. قولوا إنه كابوس هذا الذي أسبح فيه بكل التفاصيل"
أيها الفتى المجبول من طينة لينة.. لماذا لم تحاول من أنجبتك أن تخلط طينك ببعض المياه الآسنة ؟! .. لماذا لم تعلمك نطح الصخور واحتباس الألم والنوم كما ينام أصحاب المواخير دون هاجس.. دون ضمير.. ودون إحساس بأي شيء ؟ لماذا لم تكبلك بشرانق الحديد ؟ لماذا لم تعلمك أن العلم نور في بلاد النور ؟ ولماذا لم تعلمك بأن العدل اساس الملك في بلاد الله لا في بلاد الشياطين ؟ لماذا لم تعلمك بأن رحمة الله تسع الجميع إذا كان الجميع يعرفون الله ؟
أيها الفتى الذي داست أرض ملعبه عمارات القاضي والذي حجبت بيت حبيبته دكاكين الإمام وداست على كرامته عربة اليد التي يدفعها المعلم. لماذا لم تجبرك زوجة القاضي التي ضاجعتك بحجة انك دون عقل بأنه لا يستطيع أن يرميها بالحجارة لأن له بيتاً من زجاج ؟ لماذا لم تخبر العالم بأنك في لحظة تخلٍ وفي لحظة حضور للعقل الغائب سمعت الإمام يقول : " من كان منكم بلا خطيئة فليكتسبها الآن !" ؟
أريد أن لا أتيه عن صعودي الى السماء .. سأنقل الطريق المرسوم ، الى الأعلى .. مدرسة ، محكمة ، جامع .. جامع ، محكمة ، مدرسة .. محكمة ، مدرسة ، جامع …..!"
الحـجة تناطح الحـجة فأما أن تدميها وأما أن تُدمى أنت هل تعـيش لأنك مجنون أم إنك مجنون لأنك تعيش ؟؟!
أيها الفتى الذي تخلى عن عقله طوعاً في عالم بلا عقل .. هل أنت مثلنا نحن العقلاء ( ربما)  تحس بالخواء والامتلاء ؟ تلك اللعبة التي تمارسها النفس مع صاحبها .، تلك المؤامرة الدنيئة على خلايا الجسد والأعصاب ، كأن العالم بكل سفالاته لا يكفي.
" ينغمر جسدي في قوقعة لزجة من الخوف والقلق والترقب والاحتمالات ، وعنكبوت القهر ينسج حولي خيوطاً بل حبالاً تكبلني ، وما بين اللزوجة وخيوط العنكبوت أواجه جداراً في خيالي وأعصب عيني وانتظر رصاصة الرحمة .. أنتظر وأنتظر دون جدوى فلا صوت ولا دم ولا ارتطام على الأرض. ثم فجأة .. ينهمر الرصاص من كل جانب ولكنني لا أسقط. عشرات الاطلاقات أحسها في كل أنحاء جسدي ولكن دون أن أسقط ولو من ثقل الرصاص.
أفتح عصابة عيني .. أنظر الى جسدي المثقب.. أرى الدم يتدفق من ثقوبه على الأرض ليكتب كل جرح ما يكتب : "وطـن مغتصب" ، "هـروب ما له من آخر" ، "أسياد وعبيد" ، ""نفط ودولارات" ، "عواهر وقوادون" … تتجمع أنهار الدم وتشكل أناساً يمدون أيديا الى السماء ، أيديـاً تبتهل للخلاص ولا خلاص، عيوناً تنتظر البشارة ، ينهمر المطر.. يمسح الأجساد والدماء، تختلط الرؤى، هناك نقطة دم وحيدة تقوم من الأرض تأخذ شكل امرأةٍ أحببتها ، امرأة كانت تحبني ، امرأة أختصر بين ذراعيها عذابي وهواني وحيرتي ويأسي ، تفتح ذراعيها بعد أن تفتح ثوبها ، أغرق وجهي في غياهب الصدر الذي كان حنوناً، أحاول أن أغفو ولكن هناك شيء في عمود الظهر .. شيئاٍ محرقاً... إنها أخيراً رصاصة الرحمــة !